الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

43

نفحات الولاية

غير أنّ المؤسف له أنّ أغلب الأفراد إنّما يضربون هذه الأمور عرض الجدار بمجرّد نيلهم بعض الثراء والنعمة فيبتعد عن قرابته ويحرم نفسه من كلّ هذه الطاقات التي يمكنها معالجة مصاعبه ومشاكله ، وهذا هو المعنى الذي تناولته أغلب الروايات الواردة بهذا الشأن . فقد جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « صِلَةُ الرّحِمِ وَحُسْنُ الجِوار ، يُعَمّران الديار وَيَزيدان فِي الأعمار » « 1 » . وقال الإمام الباقر عليه السلام : « صِلَةُ الأرحامِ وَحُسنُ الجِوارِ ، زيادَةً في الأموالِ » « 2 » . كما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال : « صِلَةُ الأرحامِ تُزَكّي الأعمال وَتُنْجى الأموال وتَرْفَعُ البَلوى وتُيَسَّرُ الحِسابُ وتُنسى في الأجل » « 3 » . وبالمقابل فإنّ قطع الرحم ينطوي على آثار خطيرة على حياة الإنسان في الدنيا وسوء العذاب في الآخرة . فقد جاء في الحديث أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال : « أخبَرني جبرئيلُ إنَّ رِيحَ الجنّةِ تُوجَدُ مِن مَسيرةِ ألفِ عامٍ ما يَجِدُها عاقٌّ ولا قاطِعُ رَحِمٍ ولا شَيخُ زانٍ » . « 4 » ولعل هنالك من يسأل : ما المراد بصلة الرحم ؟ المراد هو تعميق أواصر المحبّة والنجدة في حل المشاكل وعدم الغفلة وتفقد الأحوال في كافة الظروف ، وقد تحفظ هذه الصلة حتّى بالسلام والارتباط عن طريق الهاتف . فقد قال أمير المؤمنين علي عليه السلام : « صِلُوا أرحامَكُم ولو بِالتسليمِ » « 5 » وسنتكلم في الأبحاث القادمة عن صلة الرحم ومعطياتها المادية والمعنوية بما يتناسب والمواضيع الواردة في الخطب . هذا وقد قال السيد الرضي ( ره ) في آخر هذه الخطبة : « الغفيرة هاهنا الزيادة والكثرة ؛ من قولهم للجمع الكثير : الجم الغفير ، والجماء الغفير . ويروى عفوة من أهل أو مال » . والعفوة : الخيار من الشيء . يقال : « أكلت عفوة الطعام » أي خياره . وما أحسن المعنى الذي أراده عليه السلام بقوله : « ومن يقبض يده عن عشيرته . . . » إلى تمام الكلام ؛ فانّ الممسك خيره عن عشيرته إنّما يمسك نفع يد واحدة ، فإذا احتاج إلى نصرتهم ، واضطر إلى

--> ( 1 ) بحار الأنوار 71 / 120 . ( 2 ) بحار الأنوار 71 / 97 . ( 3 ) بحار الأنوار 71 / 211 . ( 4 ) معاني الأخبار نقلًا عن بحار الأنوار 71 / 95 ح 26 . ( 5 ) أصول الكافي نقلًا عن بحار الأنوار 71 / 126 .